»نشرت فى : الأحد، 29 مايو 2016»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

بين فيثاغورث والفراهيدي



                   




من منا لا يعرف الفيلسوف الإغريقي الشهير فيثاغورث (572 – 500) ق.م Pythagoras صاحب نظرية
مربع الوثر في المثلث القائم تلك النظرية التي هي أساس علم المثلثات في الرياضيات.
  
 هذا الفيلسوف عاش في القرن السادس قبل الميلاد قدّم فلسفته على أن الأعداد هي أساس الكون الذي يقوم
على التناغم والتوافق بين تلك الأعداد؛ فيرى أن الرقم عشرة يمثل الكمال، والواقع أن فيثاغورث كان يقصد الأشكال
 وليس الأرقام؛ فهو يرى أن الواحد يمثل بنقطة والاثنين بخط  والثلاثة بمثلث.. وهكذا.
   

     وقد قاده هذه الاهتمام بالإعداد لإدراك التناغم بين الأنغام الموسيقية
   
تقول القصة أن فيثاغورث كان في يوم من الأيام ماراً بحانوت حداد، فاسترعت سمعه الفترات الصوتية
الخارجة من ضربات السندان، والتي بدت كأنها فترات موسيقية منتظمة، ولما عرف أن المطارق ذات أوزان مختلفة،
استنتج من ذلك أن النغمات تتوقف على نسب عددية؛ فالمسافات بين النغمات الموسيقية المتوافقة تمثل دائماً 
نسب عددية صحيحة، وتقول إحدى التجارب القلائل التي سمعنا بها في علوم القدماء إنه أتى بوترين متساويين
في السمك وفي التوتر، وتبين له أنه إذا كان طول أحدهما ضعفي طول الآخر، فإذا جُذبا أصدرا نغمة من
الدرجة الأولى؛ وإذا كان أحدهما قدر الآخر مرة ونصف مرة أصدرا خُمساً (دو - صول)؛ وإذا كان أحدهما
قدر آخر مرة وثلث مرة، أصدرا رُبعاً (دو – فا) ؛ وهكذا لكن لو أخذت طول من الوتر لا يمثل أي نسبة
لرقم صحيح ستحصل على صوت نشاز ( غير متوافق)، لأن التوافقات تعاود نفسها في دورة سباعية تمثل
السلم الموسيقي المعروف لدينا ( دو- ري- مي – فا- صول – لا- سي).(1)
    
أصوات الخليل
إن سوق الحدادين وصوت طرقاته أدواتهم ألهمت علِمًا جديدا لعبقري آخر، لكن هذه المرة من شرقنا العربي
 وتحديداً من البصرة في القرن الثاني الهجري؛ إنه العالم واللغوي المعرف الخليل بن احمد الفراهيدي صاحب
معجم العين أول معجم في اللغة، فالخليل المولود سنة مائه هجرية هو أستاذ سيبويه صاحب كتاب الكتاب
أشهر كتب النحو قاطبة.
   
 فالفراهيدي - كما تذكر الحكاية- قد ذهب إلى مكة وتعلق بأسوار
 البيت سائلاً الله أن يلهمه علماً جديداً؛ فلما كان في سوق الحدادين بعد
 ذلك لفت اهتمامه أصوات طرقاتهم، وقيل من أصوات أخفاف الإبل
 ليستلهم من هذا كله التفاعيل المشهورة لأبحر الشعر العربي والتي نظم
 على أوزانها الشعراء العرب السابقون بسليقتهم العربية، لكن الخليل قعّد
 لهذا العلم الذي سمي بعلم العَرُوض، وقد اختلف لماذا سمي بهذا الاسم؟
 فمن قائل تيمناً بمكة التي ألهم الخليل فيها هذا العلم فهو من أسمائها،
 ومن قال سمي وسط البيت من الشعر عروضاً لأن العروض وسط البيت
 من البناء، والبيت من الشعر مبني في اللقط على بناء البيت المسكون للعرب.
 لكن التعريف جاء في قول الخليل نفسه: "والعرُوض عروض الشعر
 لأن الشعر يعرض عليه ويجمع أعاريض وهو فواصل الإنصاف
 والعروض تؤنث والتذكير جائز."(2)
  
 ومن أغرب ما روي عنه " أن الخليل كان له ولد جلف فدخل عليه يوماً
فوجد أباه قد أدخل رأسه في حب وهو يقطع بيت شعر فخرج صارخاً يقول أدركوا أبي فقد جُنّ، فدخل
إليه أصحابه وأعلموه بما قال ولده، فأنشد مخاطباً له:
    
لو كنتَ تَعلَمُ ما أقولُ عذَرتَني ... أَوْ كنتُ أَجْهَلُ ما تقولُ عذَلتُكا
لَكِنْ جَهِلتَ مَقَالَتي فَعذَلْتَني ... وعلِمتُ أَنَّكَ جاهلٌ فَعَذَرْتُكا"
  
وفي رواية أخرى، " قال النضر بن شميل: كان أصحاب الشعر يمرون بالخليل فيتكلمون النحو، فقال الخليل:
لا بد لهم من أصل. فوضع العروض، فخلا في بيت ووضع بين يديه طستاً، فجعل يقرعه بعود ويقول:
فاعلن مستفعلن فعولن.
- قال: فسمعه أخوه فخرج الى المسجد، فقال: إن أخي قد أصابه جنون!
فأدخلهم على الخليل وهو يضرب الطست، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، مالك؟ أصابك شيء؟ أتحب أن نعالجك؟
- قال: وما ذاك؟
- قالوا: أخوك يزعم انك قد خولطت.
- فأنشأ يقول الأبيات السابقة. "(3)
  
  ____________________
  
    الهوامش:
  
1/ وِل ديورَانت، قصة الحضارة، ترجمة: الدكتور زكي نجيب محمُود وآخرون، مج42 (لبنان: دار الجيل،1988 )
،مج1، ج1، ص: 297 (بتصرف يسير).

2/ أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي
(بغداد: دار الرشيد، 1980) ، مادة (عرض).

3/ أبوعبدالله شهاب الدين ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي المعروف بـ ياقوت الحموي، معجم الأدباء ،
مادة (الخليل بن أحمد) ج 11، ص: 461 و أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني ، نور القبس،
مادة (ومن أخبار أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي)، ص :21 (حسب قرص الموسوعة الشاملة 
الإصدار الثالث).

***

ملاحظة :
نشرهذا المقال في موقع منظمة المجتمع العلمي العربي بتاريخ 15يوليو2015م
نشرهذا المقال في صحيفة الجمهورية (اليمنية) بتاريخ 4 يوينو 2010م
       

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus
design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة عيون المعرفة 2014 - 2015